أبَى صَرفُ الزمانِ بأنْ أُفِيقَا
وأنْ يُبقِي علَى ودٍّ رَفِيقا
فأسكَرَني بلا راحٍ شُرُودًا
ومَهَّدَ لي إلى راحٍ طَريقا
فلمْ أَزدَدْ بها سُكْرًا ولكنْ
خشيتُ عليَّ مِنْ أنْ أَستَفِيقا
ولي وجهانِ مُبتسِمٌ وباكٍ
يَضُمُّ كلاهما حُزنًا عميقَا
حملتُ خطوبَ أهلِ الأرضِ طُرًّا
وكدتُ بهنَّ أفتقدُ الشَّهيقَا
فَمَرَّتْ قَشَّةٌ فوقَ الرَّواسِي
علَى كَتِفِي فمِتُّ بها خَنِيقا
فقالُوا عَاقَهُ خَطبٌ يسيرٌ
وما شَهِدُوا تَحَمُّلِيَ العُقُوقَا
إذا يئسَ الفتَى فاشفقْ عليهِ
فليسَ بطالِبٍ إلّا شَفُوقَا
وَجَدتُ الناسَ أكثرُهم مَلامًا
- لِمَا جَهِلُوه - أكثرُهم فُسُوقَا
ولو كنتُ الخليقَ به فَدَعني
فكيفَ وقد أراكَ به خَليقَا ؟!
تركتَ الدّارَ تَحرِقُ ساكِنيها
وجئتَ تقولُ مَنْ شَبَّ الحريقا !
كفاني أنْ أعيشَ علَى خيالٍ
يُفَرِّجُ كُربةً ويزيحُ ضِيقَا
يُرِيني أهلَ غزةَ في أمانٍ
وقد حُرِقَ العدوُّ بها غَريقَا
وقد عادتْ فلسطينٌ إلينا
كمُغتربٍ إلى الأوطانِ سِيقَا
طَوَى الشوقُ المسافةَ حينَ طالَتْ
بهِ وتَجَاوزَ الزَّمَنَ السَّحِيقا
فصارَ كأنَّ غُربتَه ثَوَانٍ
عَشِيَّةَ عانَقَ الخِلَّ الصَّدُوقَا
ولكنّا جَبُنَّا واستكَنَّا
فضَيَّعنا المكارمَ والحُقُوقا
تَخَوَّفْنا صهاينةً نِعاجًا
وإنْ كانُوا لأَخوَفَنا فَرِيقا
أَصابُوا كلَّ شيءٍ حينَ ظنّوا
لِذُعرٍ كُلَّ شيءٍ مَنجَنِيقَا
وكم مِنْ مَطمَحٍ سهلٍ علينا
بَنَيْنا دونَه سَدًّا مُعِيقَا!
خَشِينا الطائراتِ وكيفَ نَخشَى
مُحصِّنَةَ الجَبانِ وكيفَ يُوقَى ؟!
تَلَقَّتْها علَى سَعَةٍ ورَحبٍ
مُقاوَمَةٌ تُهَدِّدُها لُحُوقا
ولولا أنها فَرَّتْ بعيدًا
لَعَانَتْ كالمُدرَّعَةِ الحُرُوقا
إذا قُذِفتْ بصاروخِ تَخَطَّى
حَدَائدَها وأشعلَها بُرُوقَا
إذا الدبّابةُ اقْتُنِصَتْ مساءً
حَسِبنا الشمسَ عَجَّلَتِ الشُّرُوقَا
ورُبّتما يُباشِرُها كَمِيٌّ
ويرجعُ بعدَها حُرَّا طَليقا
فيترُكُها بمَنْ فيها رمادًا
يَبِينُ كباطلٍ وَلَّى زَهُوقا
وخِلْنا صوتَها العالي زئيرًا
فأَخرَسَها فخِلناهُ نَهِيقا
بمَكْرٍ سِيِّئٍ أَضحَتْ شبيهًا
فليسَ بغيرِ أهليهِ مُحِيقَا
أُبِيدَتْ وهي كانتْ إنْ أَصابَتْ
جِبالًا غادَرَتْ فيها فُلُوقَا
مُشَكِّلَةٌ قذائفُها كُهُوفًا
مُوَسِّعَةٌ مَدافِعُها المَضِيقا
تكادُ لأجلِها تُخشَى المَطَايا
ويُرهَبُ مُعتَلٍ خيلًا ونُوقا
يَمُرُّ أمامَها شعبٌ أبِيٌّ
تَبَدَّى في مصائبِه أَنِيقَا
أشاهدُ صَبْرَه تَعِبًا كأنّي
أُذِقتُ مِنَ المَكارِهِ ما أُذِيقا
وكيفَ يَرَى الهزيمةَ مَنْ تَرَاهُ
- لِأنْ يَفنَى وأنْ يُفنِي - مَشُوقا ؟!
بموتٍ أو بعيشٍ لا يُبالي
بأيِّهِما اقْتَنَى المجدَ العريقا
كِرامٌ يَسفِكُونَ دمًا خبيثًا
يُعافُ ويُسفَكُونَ دمًا رحيقا
أُؤَمِّنُ خلفَهم وأقولُ عَدْلٌ
إذا لَعَنُوا عَدُوًّا أو صديقا
ولم أرَ بينَ مَنْ يَرضَى بظلمٍ
عَلَيَّ ومَنْ يَهُمُّ به فُرُوقا
وكلُّ دمٍ أُريقَ بغيرِ حَقٍّ
أُعايِنُ فيه حَقًّا قد أُريقَا